منتدى قطاع الشباب منتدى قطاع الشباب
random

آخر الأخبار

random
recent
جاري التحميل ...

العرض الموسيقي "حسّ القطا": تجربة فنية بين التراث والبحث الوجودي

🎭 العرض الموسيقي "حسّ القطا": تجربة فنية بين التراث والبحث الوجودي

1- تقديم المجموعة الموسيقية

تُعدّ مجموعة “نَوا” للموسيقى تجربة فنية متميّزة تسعى إلى تثمين الموسيقى البدوية وإحيائها في قالب معاصر يجمع بين الأصالة والتجديد. وقد تأسست هذه المجموعة على رؤية فنية تقوم على إعادة توظيف التراث الموسيقي البدوي بأساليب إبداعية حديثة، بما يضمن استمراريته وتجدّده في آن واحد.


حسّ القطا – عرض موسيقي يجمع بين الموسيقى البدوية والرحلة الوجودية في عمل فني معاصر

ومن خلال متابعتي للعرض، بدا واضحًا أن هذا التوجّه ليس مجرد اختيار جمالي، بل هو مشروع فني متكامل، خاصة وأن أغلب عناصر المجموعة راكموا تجارب سابقة داخل نفس المسار، قبل أن يواصلوا العمل بعد رحيل الفنان الراحل بلقاسم بوقنة، الذي كان له أثر بالغ في مسيرة المجموعة.

وتتميّز “نَوا” بأسلوب موسيقي يجمع بين الإيقاعات البدوية الأصيلة والآلات التقليدية مثل العود والكمان والناي، مع إدماج لمسات حديثة في التوزيع والتنغيم، ما يمنح أعمالها طابعًا متجددًا يجسر العلاقة بين الماضي والحاضر.

كما يحتل الشاعر مكانة محورية داخل هذا البناء الفني، حيث لا تأتي النصوص الشعرية كعنصر منفصل، بل تندمج داخل النسيج الموسيقي لتشكّل امتدادًا دراميًا وصوتًا داخليًا يعمّق التجربة الفنية ويمنحها بعدًا تأمليًا واضحًا.

2- حول العرض الفني "حسّ القطا"

يُعدّ عرض “حسّ القطا” أول إنتاج فني متكامل تقدّمه المجموعة، وهو عمل يستلهم روحه من الموسيقى البدوية ويعيد تقديمها في صيغة معاصرة. ويعكس عنوان العرض دلالات رمزية عميقة، حيث يشير “الحسّ” إلى التفاعل الصوتي، بينما يحيل “القطا” إلى أبعاد ثقافية ورمزية مرتبطة بالصحراء والترحال.

ومن خلال حضوري لهذا العرض، لمست كيف تتحوّل الموسيقى إلى فضاء تعبيري متعدد الأبعاد، حيث تتكامل النغمة مع الكلمة لتشكّل تجربة حسّية وشعرية موحّدة، تتجاوز الشكل التقليدي للعروض الموسيقية.

ويعتمد العرض على المزج بين أغاني الفنان الراحل بلقاسم بوقنة والإلقاء الشعري الحر، مع تقديم صوت غنائي يحاكي أسلوبه ويعيد إحياء أعماله بروح جديدة، في انسجام واضح بين الأداء الموسيقي والشعري.

كما يتميّز العرض بتوزيع موسيقي يحافظ على الطابع البدوي للأغاني، مع إدخال رؤى فنية حديثة تضفي عليه حيوية وتجدّدًا، وهو ما لاحظته من تفاعل الجمهور الذي بدا منسجمًا مع هذا المزج بين الأصالة والتجديد.

ويمتد العرض لما يقارب ساعتين، يقدَّم خلالها رصيد غني من الأغاني والمقاطع الموسيقية التي تحمل في طياتها ذاكرة ثقافية مشتركة.

معلقة العرض الفني حس القطا

3- التصوّر الفني لعرض "حسّ القطا"

ينبني العرض على رؤية درامية تستلهم أجواء البيئة الصحراوية، حيث تتقاطع الموسيقى والغناء مع الشعر والأداء الركحي في بناء حكاية إنسانية عميقة.

وتدور القصة حول شخصية فنان رحّال، يحمل داخله توقًا دائمًا نحو الجمال المطلق، فيسعى إلى تحقيقه من خلال رحلة تتجاوز بعدها الجغرافي لتصبح رحلة داخلية في أعماق الذات.

شخصية الفنان الراحل بلقاسم بوقنة يجسدها أحد أعضاء فرقة حس القطا

تنطلق هذه الرحلة من تجربة حب أولى مكثفة، سرعان ما تتحول إلى فقدان يدفع البطل إلى الارتحال، ليخوض مسارًا وجوديًا تتداخل فيه التجربة الحسية بالعاطفة، ويتقاطع فيه الواقع بالخيال.

وخلال العرض، يتكرّر هذا السعي في شكل لقاءات متعددة تعكس وجوهًا مختلفة للجمال، لكنها تظل غير قادرة على تعويض الصورة الأولى، مما يكرّس إحساس الدوران داخل دائرة مغلقة من البحث المستمر.

وقد لاحظت شخصيًا كيف يتم توظيف هذا التكرار كعنصر درامي مقصود، يعمّق الإحساس بالتيه ويحوّل الرحلة إلى سؤال وجودي مفتوح.

🏜️ الصحراء كفضاء دلالي

تلعب الصحراء دورًا محوريًا داخل هذا العمل، حيث لا تُقدَّم كمجرد خلفية جغرافية، بل كفضاء دلالي حيّ يتفاعل مع مجريات الحكاية. فمن خلال متابعتي الدقيقة للعرض، بدا لي أن الصحراء تتحوّل تدريجيًا إلى مرآة داخلية تعكس تحولات الشخصية الرئيسية، وتترجم حالاتها النفسية المتقلّبة.

في لحظات السكون، كانت الصحراء توحي بالصفاء والامتداد، وكأنها فسحة للتأمل وإعادة ترتيب الذات، بينما في لحظات التوتر والبحث، كانت تتحوّل إلى فضاء قاسٍ ومفتوح على المجهول، يعكس حالة الضياع والقلق الداخلي. هذا التوظيف الذكي جعل من المكان عنصرًا دراميًا فاعلًا، لا يقل أهمية عن الشخصيات أو الموسيقى.

كما أن الإيحاءات البصرية والسمعية المرتبطة بالصحراء – من إيقاعات الرياح إلى امتداد الأفق – ساهمت في خلق تجربة حسّية متكاملة، شعرت خلالها وكأنني داخل هذا الفضاء، لا مجرد متفرّج عليه، وهو ما يعزّز قوة العرض في التأثير على المتلقي.

⏳ التحوّل الدرامي

مع تطوّر الأحداث، يبدأ المسار الدرامي في اتخاذ منحى أكثر عمقًا، حيث لا يعود البحث خارجيًا فقط، بل يتحوّل تدريجيًا إلى مساءلة داخلية. ومن خلال متابعتي، لاحظت كيف يتم بناء هذا التحوّل بشكل تدريجي ومدروس، دون قفزات مفاجئة، مما يمنحه مصداقية فنية واضحة.

يدرك البطل، عبر سلسلة من التجارب والخيبات، أن ما كان يسعى إليه في الخارج لم يكن سوى انعكاس لرغبة داخلية غير مكتملة. وتتجلّى هذه اللحظة في شكل وعي متنامٍ، يحرّره من وهم التعلّق بصور مثالية للجمال.

وقد كانت هذه المرحلة من العرض من أكثر اللحظات تأثيرًا، حيث ينتقل الإحساس من التوتر إلى نوع من الصفاء، ومن السعي المحموم إلى التأمل الهادئ. هنا يتحوّل العرض من حكاية إلى تجربة فكرية، تدعو المتلقي إلى إعادة النظر في مفاهيمه حول البحث، الرغبة، والمعنى.

🌿 النهاية والدلالات

تأتي نهاية العرض في شكل مصالحة هادئة وعميقة مع الذات، حيث يصل البطل إلى إدراك مفاده أن الرحلة لم تكن عبثية، بل كانت ضرورية لفهم ذاته والعالم من حوله. ومن خلال هذه الخاتمة، يتم الانتقال من حالة التيه إلى حالة من التوازن الداخلي.

وقد لمست في هذه النهاية نوعًا من العودة الرمزية إلى الجذور، ليس بالمعنى المكاني فقط، بل أيضًا بالمعنى القيمي والإنساني، حيث يستعيد البطل علاقته بالانتماء وبالهوية، في إطار من الرضا والتقبّل.

كما أن العمل يقدّم، بشكل غير مباشر، رسالة عميقة مفادها أن البحث عن الجمال والمعنى لا يتحقق بالضرورة في الخارج، بل يبدأ من الداخل. وهو ما يجعل من هذه النهاية لحظة تأمل مفتوحة، تظلّ ترافق المتلقي حتى بعد انتهاء العرض.

🎼 البناء الفني

يعتمد العرض على توظيف الأغاني داخل سياق درامي متكامل، حيث تتحوّل إلى أدوات سردية تعبّر عن تحولات الشخصية، في حين تؤدي المقاطع الشعرية دور الصوت الداخلي الذي يمنح العمل بعدًا فلسفيًا.

كما يعتمد على تشكيلات ركحية مستلهمة من الفضاء الصحراوي، توظّف الضوء والحركة لخلق صور تعبيرية تعكس الحالات الشعورية بدلًا من الأحداث المباشرة.

4- مكوّنات الفرقة والإدارة

تتكوّن الفرقة من عناصر فنية متكاملة تشمل:

  • عازفي إيقاع
  • مغنٍ
  • عازف عود
  • عازف كمان
  • عازف ناي
  • شاعر
  • تقني صوت
  • كورال

المجموعة الموسيقية الكاملة لعرض حسّ القطا

ويشرف على إدارة الفرقة عناصر ذات خبرة فنية وإدارية، من أبرزهم:

  • وسام بن لطوفة: أستاذ أول مميز شباب وطفولة حاصل على الدكتوراه في العلوم الثقافية ويتمتع بخبرة طويلة في مجال التنشيط التربوي وإدارة التظاهرات والمهرجانات إضافة إلى خبرته وكفاءته في المجال الفني الموسيقي من خلال مشاركته كعازف مع الفنان الراحل بلقاسم بوقنة بين 2004 و 2006، إضافة إلى إشرافه على نوادي الموسيقى والكورال بكل من المعهد العالي للتنشيط الشبابي والثقافي ومبيت الريحان ومبيت حمام الشط للطلبة ودار الشباب القلعة ودار الشباب زعفران والمدرسة الابتدائية القلعة 2 ومركب الطفولة بالقلعة إضافة إلى تقديمه تكوينا لفائدة أساتذة التنشيط في صيانة الآلات الموسيقية وله إنتاج بيداغوجي بعنوان "المعين في التنشيط الموسيقي".
  • محمد بن سلام: فنان محترف يحمل بطاقة احتراف فني عدد 98/8824 في اختصاص الغناء، كان ملازما للفنان بوقنة طيلة مسيرته ويعتبر مديره الإداري والمالي طيلة مسيرته الفنية، يتمتع بخبرة كبيرة في المجال الفني الموسيقي وإدارة الفرق الموسيقية إضافة إلى كفاءته العالية في ضبط الإيقاع والغناء.

✨ خلاصة التجربة

من خلال حضوري لهذا العرض، يمكنني القول إن “حسّ القطا” ليس مجرد عمل موسيقي، بل هو تجربة فنية متكاملة تجمع بين التراث والحداثة، وتفتح أفقًا للتأمل في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله.

إنه عرض يُشاهَد… لكنه أيضًا يُعاش.

عن الكاتب

فكري نجلاوي

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

منتدى قطاع الشباب